ابن الجوزي
355
صيد الخاطر
فإذا خلت بخدمة اللّه تعالى لم تجد لها طعما ، وكان جمع الناس أحب إليها ، وزيارة الخلق لها آثر عندها . وهذه علامة الخذلان . وعلى ضد هذا متى كان العالم مقبلا على اللّه سبحانه مشغولا بطاعته ، كان أصعب الأشياء عنده لقاء الخلق ومحادثتهم ، وأحب الأشياء اليه الخلوة . وكان عنده شغل عن القدح في النظراء أو عن طلب الرئاسة ، فان ما علّق به همته من الآخرة أعلى من ذلك . والنفس لا بد لها مما تشاغل به . فمن اشتغل لخدمة الخلق أعرض عن الحق ، فإنما يربي رئاسته ، وذلك يوجب الاعراض عن الحق وما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه . 315 - أكثر الناس لا يرون الأشياء كما هي قد جاء في الأثر ، اللهم أرنا الأشياء كما هي . وهذا كلام حسن غاية . وأكثر الناس لا يرون الأشياء بعينها ، فإنهم يرون الفاني كأنه باق ، ولا يكادون يتخايلون زوال ما هم فيه وإن علموا ذلك . إلا أن عين الحسّ مشغولة بالنظر إلى الحاضر ، ترى زوال اللذة وبقاء إثمها . ولو رأى اللص قطع يده لهان عنده المسروق . فمن جمع الأموال ولم ينفقها فما رآها بعينها ، إذ هي آلة لتحصيل الأغراض ، لا تراد لذاتها . ومن رأى المعصية بعين الشهوة فما رآها ، إذ فيها من العيوب ما شئت ، ثم ثمرتها عقوبة آجلة ، وفضيحة عاجلة . وانظر إلى أكبر شهوات الحس وهو الوطء فان الماء لا يحصل الا بعد مطعم ومشرب ، ومن تفكر في المطعم نظر إلى حرث الأرض ، وانها تفتقر إلى بقر للحراثة عليهن المحراث ، وهو حديد ومعه خشب ويتعلق به حبال ، فمن تفكر في عمل الحبال نظر إلى زرع القنب وتسريحه وفتله والحديد وجلبه وضربه ، والخشب ونباته ونجارته ، ودوران الدولاب وعمله ، ثم استحصاد الزرع وحصده وتذريته وطحنه وعجنه وخبزه ، ومن عمل التنور وجلب الشوك . ومن هذا الجنس إذا نظر فيه كثر جدا حتى قالوا لا تنال لقمة الا وقد عمل فيها ثلاثمائة نفس أو نحوهم . فإذا أكل تلك اللقمة فليفكر في خلق الأسنان لقطعها ، والأضراس لطحنها ، وعذوبة ماء الفم لخلطها ، واللسان ليقلبها ، وعضلات الفم يصعد منها شيء ويبقى شيء حتى يصلح البلع . ثم يتناولها المعى فيوصلها إلى الكبد فيقوم طابخا لها ، فإذا صارت دما نفت رسوبها إلى الطحال ، ومائيتها إلى المثانة ، واستخلصت من أخلص الدم وأصفاه